تُعد النحافة المفرطة من الحالات الصحية التي لا تقل خطورة عن السمنة، إذ تشير إلى فقدان وزن الجسم إلى ما دون المعدل الطبيعي بشكل يهدد سلامة الأجهزة الحيوية ويضعف المناعة ويؤثر على المظهر العام. وعلى الرغم من أن كثيرين يربطون النحافة بالرشاقة أو المظهر الصحي، إلا أن تجاوز الحد الطبيعي منها قد يكون مؤشرًا لاضطرابات صحية خطيرة أو سلوكيات غذائية غير سليمة.
في هذا المقال، نستعرض أهم أسباب النحافة المفرطة بالتفصيل، ونكشف عن الأسباب الجسدية والنفسية والبيئية التي قد تقف وراءها، مع التركيز على كيفية التعرف على الأسباب بدقة لتجنب المضاعفات.
العوامل الوراثية وتأثير الجينات في تكوين الجسم
تلعب الوراثة دورًا كبيرًا في تحديد شكل الجسم وبنيته، ومن ثم في تحديد وزن الشخص الطبيعي أو ميوله للنحافة.
فبعض الأفراد يولدون بجينات تجعل معدل الأيض لديهم أعلى من المتوسط، أي أن أجسامهم تحرق السعرات الحرارية بسرعة حتى أثناء الراحة. هذا يعني أن تناولهم للطعام قد لا يؤدي إلى زيادة الوزن بسهولة مثل غيرهم.
-
التمثيل الغذائي السريع: الأشخاص ذوو الأيض السريع يحتاجون إلى كميات أكبر من السعرات لاكتساب الوزن.
-
نسبة العضلات إلى الدهون: بعض الأشخاص يرثون كتلة عضلية أقل، مما يجعل وزنهم أقل دون أن يكون لديهم مرض.
-
العوامل العائلية: قد تلاحظ أن معظم أفراد العائلة نحيفون رغم تناولهم كميات كافية من الطعام، ما يشير إلى تأثير وراثي واضح.
إلا أن النحافة الوراثية عادة لا تكون مفرطة إلى حد المرض، بل تتسم بالثبات النسبي وعدم وجود أعراض ضعف أو فقدان مفاجئ للوزن. أما النحافة المفرطة المكتسبة، فهي غالبًا ناتجة عن أسباب مرضية أو سلوكية سنتناولها لاحقًا.
الأمراض المزمنة واضطرابات الجهاز الهضمي
تُعد الأمراض المزمنة أحد أبرز الأسباب التي تؤدي إلى النحافة المفرطة. فالعديد من الحالات المرضية تؤثر بشكل مباشر على امتصاص العناصر الغذائية أو تزيد من استهلاك الجسم للطاقة، مما يؤدي إلى فقدان الوزن رغم تناول الطعام. ومن أهم هذه الأمراض:
أ. اضطرابات الجهاز الهضمي
-
مرض القولون العصبي: يسبب سوء امتصاص، انتفاخًا، وإسهالًا متكررًا يفقد الجسم عناصره.
-
الداء البطني (السيلياك): اضطراب مناعي يجعل الجسم يهاجم بطانة الأمعاء عند تناول الغلوتين، مما يقلل من امتصاص الفيتامينات والمعادن.
-
التهابات الأمعاء المزمنة (مثل كرون والتهاب القولون التقرحي): تسبب فقدان شهية ونقص بروتينات حاد.
ب. الأمراض الهرمونية والتمثيل الغذائي
-
فرط نشاط الغدة الدرقية: يزيد من معدل حرق الطاقة بشكل مفرط، فيفقد الشخص وزنه بسرعة.
-
السكري من النوع الأول: يؤدي إلى تكسير الدهون والعضلات لعدم قدرة الجسم على استخدام الجلوكوز بشكل صحيح.
ج. أمراض أخرى مزمنة
-
السرطانات: تستهلك خلاياها الطاقة بشكل كبير وتؤثر على الشهية.
-
الفشل الكلوي والكبدي: يؤدي إلى اضطراب في استقلاب البروتينات وفقدان الشهية.
-
العدوى المزمنة (مثل السل أو فيروس نقص المناعة): تسبب إنهاكًا عامًا ونقص وزن تدريجيًا.
هذه الحالات تتطلب تشخيصًا طبيًا دقيقًا، إذ لا يمكن معالجة النحافة دون علاج المرض الأساسي الذي يقف خلفها.
العوامل النفسية وفقدان الشهية العصبي
من الجوانب التي لا تقل أهمية هي العوامل النفسية والسلوكية، إذ تؤثر الحالة النفسية تأثيرًا مباشرًا على الشهية والهضم.
فالتوتر والقلق والاكتئاب يمكن أن يقللوا الرغبة في تناول الطعام أو يسببوا تغيرات في الهرمونات المسؤولة عن الجوع مثل الغريلين واللبتين.
أ. فقدان الشهية العصبي (Anorexia Nervosa)
يُعد من أخطر الاضطرابات النفسية المؤدية للنحافة المفرطة، حيث يرفض المصاب تناول الطعام خوفًا من زيادة الوزن رغم النحافة الشديدة.
وقد يترافق مع تشوه صورة الجسد، فيرى الشخص نفسه بدينًا رغم نحافته، ما يدفعه إلى الامتناع عن الأكل وممارسة التمارين بشكل قاسٍ.
ب. الاكتئاب والقلق المزمن
في حالات الاكتئاب الحاد، يفقد الشخص اهتمامه بالطعام تمامًا، بينما قد يعاني من اضطرابات في النوم تؤدي إلى خلل في هرمونات الشهية.
كما أن القلق المستمر يرفع من هرمون الكورتيزول الذي يسرّع من عملية الأيض، فيستهلك الجسم طاقة أكثر.
ج. الصدمات النفسية وفقدان الشهية المؤقت
فقدان شخص عزيز، أو المرور بمحنة قوية، يمكن أن يؤدي إلى فقدان مؤقت للوزن بسبب انخفاض الشهية أو اضطراب النوم، لكن مع الوقت قد يعود الوزن تدريجيًا إذا تمت معالجة الحالة النفسية.
العادات الغذائية الخاطئة وسوء التغذية
من أكثر الأسباب انتشارًا في المجتمعات الحديثة هي سوء التغذية والعادات الغذائية غير المتوازنة، حيث لا يحصل الجسم على احتياجاته اليومية من العناصر الضرورية رغم توفر الطعام.
أ. تناول وجبات غير متكاملة
الاعتماد على الوجبات السريعة أو الحلويات فقط يزوّد الجسم بسعرات حرارية فارغة دون بروتينات أو فيتامينات، مما يؤدي إلى ضعف البنية العضلية وفقدان الوزن الصحي.
ب. إهمال وجبة الإفطار أو تخطي الوجبات
تخطي الوجبات يجعل الجسم يدخل في حالة “توفير الطاقة”، فيقلل من بناء العضلات ويستهلك المخزون الداخلي.
ج. نقص البروتينات والدهون الجيدة
اتباع حميات قاسية أو نباتية صارمة دون إشراف يؤدي إلى نقص البروتينات والدهون الأساسية مثل أوميغا 3، ما يقلل الكتلة العضلية ويضعف المناعة.
د. الإفراط في المنبهات
الإكثار من القهوة أو الشاي أو التدخين يقلل الشهية للطعام، وقد يعيق امتصاص بعض الفيتامينات مثل الحديد والكالسيوم.
هـ. اضطرابات الأكل الحديثة
مثل الأكل الانتقائي (Selective Eating Disorder) الذي يجعل الشخص يتناول أنواعًا محدودة جدًا من الأطعمة، مما يسبب نقصًا في الطاقة والعناصر الأساسية.
كل هذه العادات تؤدي تدريجيًا إلى نحافة مفرطة دون وعي الشخص بخطورة الوضع، خاصة إن كان يظن أن وزنه المثالي مرتبط بالمظهر النحيف.
زيادة النشاط البدني دون تعويض غذائي كافٍ
يميل بعض الأشخاص إلى ممارسة الرياضة بشكل مفرط دون إدراك أن التمارين القاسية تحرق سعرات كبيرة، ومع عدم تعويض هذه الطاقة بالأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية، يفقد الجسم وزنه بسرعة.
أ. الرياضيون ورفع معدلات الأيض
الأشخاص الذين يمارسون التمارين الشاقة يوميًا (مثل الجري لمسافات طويلة أو رفع الأثقال) يحتاجون إلى نظام غذائي عالي السعرات للحفاظ على كتلة العضلات.
لكن إهمال التغذية بعد التمرين يؤدي إلى هدم العضلات بدلًا من بنائها.
ب. المجهود البدني في العمل
العاملون في المهن الشاقة كالبناء أو الزراعة أو التوصيل قد يفقدون وزنهم دون قصد بسبب الجهد المستمر ونقص التغذية الكافية.
ج. التمثيل الغذائي المتسارع بفعل الرياضة
التمارين المنتظمة ترفع معدل الأيض حتى أثناء الراحة، مما يعني أن الجسم يستمر في حرق الدهون والطاقة طوال اليوم. ومع عدم تناول كميات كافية من الطعام، تكون النتيجة نحافة واضحة وضعف في البنية.
لهذا يُوصى بموازنة النشاط البدني مع خطة غذائية مدروسة تضمن تعويض السعرات المفقودة بالبروتينات والدهون الصحية والكربوهيدرات المعقدة.
أسباب أخرى أقل شيوعًا تؤدي إلى النحافة المفرطة
هناك مجموعة من الأسباب الأقل شيوعًا لكنها تلعب دورًا مهمًا في بعض الحالات، خصوصًا إذا لم تُكتشف مبكرًا:
أ. الأدوية والعلاجات
بعض الأدوية تسبب فقدان شهية أو اضطرابات في الجهاز الهضمي مثل:
-
أدوية السرطان (العلاج الكيميائي).
-
مضادات الاكتئاب أو منشطات الجهاز العصبي.
-
بعض أدوية الغدة الدرقية.
-
أدوية ضغط الدم والمدرات البولية.
ب. العدوى الطفيلية
الديدان المعوية تمتص المغذيات من الطعام قبل أن يستفيد منها الجسم، مسببة ضعفًا عامًا ونقص وزن ملحوظ خاصة عند الأطفال.
ج. اضطرابات الجهاز المناعي
بعض الأمراض المناعية تجعل الجسم يهاجم خلاياه الخاصة، مثل الذئبة أو التهاب المفاصل الروماتويدي، ما يؤدي إلى فقدان وزن غير مبرر بسبب الالتهاب المستمر.
د. الشيخوخة
مع التقدم في العمر، تقل الكتلة العضلية وتنخفض الشهية، مما يؤدي إلى نحافة تدريجية ما لم تتم معالجتها بتغذية خاصة.
هـ. العوامل البيئية والاجتماعية
الفقر، وصعوبة الحصول على الطعام، والضغوط الحياتية الشديدة كلها أسباب غير طبية لكنها تؤثر مباشرة على تناول الطعام ونوعية التغذية.
ختام
إن النحافة المفرطة ليست مجرد مظهر جمالي مختلف، بل حالة صحية تحتاج إلى تقييم طبي شامل. ففقدان الوزن غير المبرر قد يكون إشارة مبكرة لمرض خطير أو خلل في النظام الغذائي أو النفسي.
ولذلك، فإن الطريق الصحيح للتعامل مع النحافة لا يكون عبر تناول المكملات العشوائية أو الأطعمة الدهنية فقط، بل عبر:
-
استشارة الطبيب لإجراء الفحوصات اللازمة.
-
تحليل العادات الغذائية وتصحيحها.
-
معالجة الأسباب النفسية أو العضوية إن وجدت.
-
اتباع نظام غذائي متوازن غني بالبروتين والدهون الصحية والنشويات المفيدة.
-
ممارسة الرياضة باعتدال لبناء العضلات وليس لإهدار الطاقة فقط.
وأخيرًا، تذكّر أن الوزن المثالي هو ما يوازن بين المظهر والصحة، وأن هدفك يجب أن يكون دائمًا هو العافية الشاملة لا مجرد الرقم على الميزان.
اكتب تعليقك